منتدي ورود البليدة
مرحبا بكم في منتدي نادي العرب
وندعوك للتسجيل ومشاهدة كل
المواضيع

منتدي ورود البليدة


 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مدخل إلى الأدب الإسلامي الجزء الاول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
sami arabi

avatar

عدد المساهمات : 249
نقاط : 5029
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 05/02/2012

مُساهمةموضوع: مدخل إلى الأدب الإسلامي الجزء الاول   الثلاثاء فبراير 21, 2012 5:24 pm

مدخل إلى الأدب الإسلامي study

تقديم بقلم الأستاذ: عمر عبيد حسنة
إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ، بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاَّ إله إلاّ الله،الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وأوجب القراءة والتعليم، واعتبر ذلك مفتاحاً للدين منذ اللحظات الأولى لبدء الوحي والخطوات الأولى لمسيرة النبوة. قال تعالى:

(إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم ) وجعل معجزة الإسلام كتاباً خالداً، مجرداً عن حدود الزمان والمكان، وتحديه بياناً، ومهمة رسوله صلى الله عليه وسلم الرئيسة، البلاغ، قال تعالى: وما على الرسول إلا البلاغ المبين)، وناط فوز المسلم ونجاته من المسؤولية وأداءه لأمانة التكليف، بالسير على قدم النبوة في البلاغ والدعوة إلى الله بكل ما تقتضيه عملية البلاغ المبين، من وسائل وآفاق وأبعاد وحكمة وحسن أداء (قُل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً. إلاّ بلاغاً من الله ورسالاته.. ). وجعل القول السيد صنو التقوى وثمرة لها ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً.. ) فكانت الكلمة القرآنية ركيزة جهاد الأمة المسلمة. والقرآن منهل الأدب الخالد، ومصدر كل عطاء ثقافي وحضاري، من خلال آياته نشأت أمة الإسلام، وتحددت معالم عقيدتها وعبادتها وأخلاقها وتصورها عن الحياة والأحياء، ومنه تشكلت ثقافتها وبُني ذوقها العام، فكان القرآن درع الأمة المسلمة في الصمود، وميثاقها للنهوض. وأشهد أنه محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم فكان في الذروة من العرب فصاحة وبلاغه وبيان، بلّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، فهو المثل الكامل للتأسي والإقتداء ( لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر ) .

وبعد:

فهذا الكتاب الرابع عشر ـ مدخل إلى الأدب الإسلامي ـ للدكتور نجيب الكيلاني. نقدمه في سلسلة ( كتاب الأمة ) التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، مساهمة منها في تحقيق الوعي الحضاري والتحصين الثقافي، وفك قيود التحكم التي وضعتها الأفكار والمعاهد والمؤسسات الأجنبية على حياتنا، حتى يسترد مسلم اليوم موقعه في الشهادة والقيادة، ويستأنف دوره الذي ناطه الله به، مستثمراً إمكاناته الروحية والذهنية والمادية كلها، مبدعاً وسائل وأساليب في الدعوة إلى الله، والعمل الإسلامي، في مستوى مسؤولياته الإسلامية، إلى جانب الفهم والإدراك لمتغيرات العصر من حوله، متقدماً إلى الإنسانية بأنموذج الإنسان المسلم الجديد الذي يثير الاقتداء ويغري بالاتباع.

ولا شك أن وسائل الدعوة إلى الله وأساليبها، وميادين العمل الإسلامي ومواقعة المؤثرة والفاعلة، أوسع من أن تُحصرَ أو تجمد على شكل، أو تُحاصر من قبل طاغية أو عدو أو كافر. إذا استشعر المسلم مسؤوليته واستعاد فاعليته، وأخلص النية، وتلمس الصواب، والتزام الحكمة والبصيرة التي أمره الله في البلاغ المبين. وإنما تجئ محاصرتها من المسلمين أنفسهم.

ولعل ميدان الكلمة ـ مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة، وفعلها وأثرها ـ كان ولا يزال من أهم ميادين الحوار والصراع والمواجهة بين الخير والشر، والحق والباطل. وقد برز المعنى أكثر فأكثر في العصر الحاضر بعد أن سكت صوت الأسلحة بسبب من التوازن الدولي، وأخذت ساحات المواجهة والصراع والحوار الحضاري والثقافي ألواناً جديدة، إنها الحروب الحديثة، حروب المعلومات والإعلام، وصراع المبادئ والعقائد والمذاهب المعاصرة والدعايات السياسية والمذهبية، التي تغرق العالم بسيلها الجارف، وتحاول إعادة تشكيل عقله، وزرع عواطفه، وتحديد استجاباته، والتحكم بنزوعه وسلوكه ابتداءً، إلى درجة أصبحت معها الدول والشعوب المتخلفة في هذا الميدان، تعيش وكأنها في معسكرات الأسر والاعتقال الفكري. إنه عصر الجبر والتسيير الإعلامي،والتحكم الثقافي والسياسي، الذي أصبح يملكنا ويقتحم علينا بيوتنا ويطاردنا في أخص خصائصنا ويخطف منا أبناءنا.

لقد ولَّى الزمان الذي كان فيه بناء الأسوار، وإقامة الحدود وحراستها يحولان دون وصول ما لا نريد من المذاهب، والكتب والأفكار والأشخاص، في عصر الدولة الإعلامية. ووسائل الإعلام الفتاكة والمتنوعة، التي لم تعد تنتظر الإنسان يسعى إليها وإنما هي التي تسعى إليه وتطارده وتلاحقه وتشاركه طعامه وشرابه ولا تنفك ملازمة له حتى يستسلم إلى النوم.

فليست المشكلة اليوم، في أن نفتح أبوابنا ونوافذنا، أو نغلقها أمام المذاهب والمعلومات والدراسات الثقافية، والفنون الأدبية المختلفة، والقضايا العالمية المطروحة، وإنما المشكلة الحقيقية، هي في أن نمتلك قوة الإرادة وبصيرة الأخيار، وانضباط المقياس، فيما نأخذ وما ندع، ونمتلك القدرة على تقديم البديل، الذي يرقى إلى المستوى العالمي، ونكون قادرين على إثبات وجودنا في ساحات الامتحان الحقيقي.

لقد أصبح من الأهمية بمكان أن ندرك أن الصراع بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة أبدي، وأن المعارك الفكرية بأساليبها الفنية المتعددة هي الأخطر في حياة الأمم وبنائها الحضاري، وأن الساحة الفكرية هي الميدان الحقيقي للمعركة، وأن الله سبحانه وتعالى جعل سلاح المسلم الدائب هو المجاهد بالقرآن. قال تعالى: (فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا ً) ونحن المسلمين لسنا بحاجة إلى أدلة وشواهد على ذلك. وقد ولدت أمتنا، وحملت رسالتها إلى الإنسانية، من خلال هذا الكتاب كما أسلفنا، وابتدأت الخطوة الإسلامية الأولى من غار حراء وسلاحها الأوحد إلى العالم (اقرأ باسم ربك الذي خلق ) وتجاوزت مبادئ الإسلام البلاد المفتوحة، لتعم العالم بقوة نفاذها وحسن إبلاغها، فالمعركة في حقيقتها فكرية، والمشكلة في جذورها ثقافية، والصراع عقائدي، وإن اتخذ أشكالاً شتى، لقد أصبح سلاح الكلمة اليوم أقوى تأثيراً وأكثر نفاذاً، وتطور فن الكتابة والإعلام، إلى درجة يوهم معها، أن الحق باطل والباطل حق ـ وإنَّ من البيان لسحراً ـ وأصبحت بلاد الدنيا ضواحي لدولة الأقوياء، وبدأ عصر الدولة الإعلامية العالمية سواء اعترفت بذلك الأنظمة السياسية الإقليمية أو تجاهلته، ولم تعد قضية العزلة والنزوع إلى الفردية قضية اختيارية .

ومن هنا نقول: بأن الجهود الفردية مهما بلغت سوف تبقى جهداً ضائعاً محدود الأثر، والرؤية الفردية مهما شملت، هي رؤية حسيرة، وإمكانات الأفراد مهما بلغت، سوف تبقى دون سوية الإحاطة بالقضايا والمشكلات كلها، والقدرة على مواجهتها، واختيار الوسيلة الملائمة لذلك، هذا إلى جانب العجز عن تصنيف تلك المشكلات وترتيب الأولويات المطلوبة في المعالجة، والقصور عن المشاركة في القضايا العالمية التي باتت مفروضة، ولا بد من رأي فيها وموقف تجاهها.

إن الكثير من قضايانا الفكرية ومشكلاتنا الثقافية على الساحة الإسلامية ما تزال تحكمها روح العفوية وتتحكم فيها الرؤى الفردية.

ونحن بهذا لا نريد أن نغمط الأفراد حقهم، ولا أن نقلل من شأن ما قدموا، خاصة أولئك الذين اتسمت مساهماتهم الفكرية والأدبية بالصبغة العالمية، وإنما نرى المطلوب بإلحاح هو الانتقال إلى الرؤية الجماعية ووضع (استراتيجية ) خطة ثقافية يأخذ كل منا فيها بطرف من خلال روح فريق العمل الجماعي، وندرك جميعاً انتهاء عصر الرجل الملحمة الذي يمكن أن يحسن كل شيء، فيكتب في الشعر والقصة المسرحية والفكر والتاريخ والفقه والتفسير.. إلخ حتى لا يضرب كل منا في اتجاه فتتبعثر جهودنا، والنظرات الجزئية، وتحول دون مشاركتنا ومساهمتنا في مرحلة الأفكار والآداب العالمية، الأمر الذي يتسق مع رسالة الإسلام العالمية ووظيفة المسلم في البلاغ المبين ..

لقد أصبح من الضرورة بمكان وضع خطة واضحة ودقيقة من أجل مراعاة مبدأ تراكم المعرفة في الإنتاج الفكري والأدبي الإسلامي الجديد، حفاظاً على الطاقات، ورعاية للقابليات ورغبة في الوصول إلى نتائج تخدم قضية (الأدب الإسلامي )، كما لا بد أن تقوم دراسات ناقدة، تجيب عن مجموعة أسئلة، تحدد أهداف العمل وغاياته، والحدود والشروط والوسائل اللازمة لترشيده، وتوجيهه الوجهة السليمة، وتجلي السلبيات والإيجابيات، وتفك قيود التحكم الثقافي، الذي يشل ويعطل فاعلية المسلمين اليوم.

إن غياب حركة النقد للأعمال الأدبية الإسلامية ـ إلى جانب أنه يساهم بشكل سلبي بمحاصرة الأعمال الأدبية وقبرها ـ يؤدي إلى فوضى فكرية تتمثل في ضياع مقاييس التقويم، وكثرة التكرار في الأشكال والمضامين، وغلبة السطو الأدبي، والنقاد والدارسون مسؤولون عن تقويم الأدب الإسلامي، وإبراز عناصره، وتقدير أهميتة، في صياغة الشخصية المسلمة، وبناء الذوق السليم، والناقد والأديب شريكان في عملية البناء هذه.

ومن البشائر التي طالما هفت إليها قلوبنا الإعلان عن قيام رابطة للأدب الإسلامي، الأمر الذي يضع الأدباء الإسلاميين أمام مسؤولياتهم في خدمة الإسلام وإبلاغ رسالته ـ من خلال الصورة الجمالية المؤثرة، والأساليب الفنية المتنوعة ـ وحفظ أمانة الكلمة التي تستمد جوهرها من مشكاة الوحي وهدي النبوة.

ورابطة الأدب الإسلامي إنما ولدت ـ في تقديرنا ـ كثمرة للصحوة الإسلامية، وحركة الوعي الإسلامي المعاصر، التي استطاعت أن تحيي الأصول الإسلامية في نفوس المسلمين وتجدد عملية الانتماء إلى الإسلام والالتزام والاستعلاء به، وقدرته على استيعاب الحياة المتجمدة، إلى جانب ما قدمته من الاستشعار المبكر، والقراءة الواعية والدقيقة لمجموعة من المشكلات الثقافية، وعابر الغزو، وتنبيه الأمة إلى مواطن الخطر. والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هنا: أن الصحوة الإسلامية لم تعط قضية الأدب الإسلامي القدر المطلوب من الاهتمام وقد لا تكون قدرت كما ينبغي دور الأدب في عملية البلاغ المبين، وتأثيره في صياغة الوجدان، وتشكيل الأمة الثقافي، وبناء ذوقها الاجتماعي المشترك.

إن إقبال الجماهير على الفنون الحديثة، من القصة والأقصوصة والمسرحية، وغير ذلك من الفنون، يجب أن يفتح عيوننا على هذا السلاح الخطير، الذي يتسلح به الشر، على أرض الله الواسعة، وقد لا نكون مغالين إذا قلنا: بأن القصة والمسرح كان لهما النصيب الأوفر في تشكيل الرؤية العقائدية وإقناع الناس بها لإحدى الدول الكبرى التي تحاول أن تسيطر عقائدياً على العالم اليوم.

والخطورة التي يمكن أن تحاصر الرابطة، وتحيط بها، هي وقوعها ضحية التحزب لأشخاصها، وإعجابها بنفسها وإنتاجها، وعدم قدرتها على استيعاب العطاءات المتعددة، وتوسيع دائرة المشاركة، في الإنتاج الأدبي، أو وقوعها في أسر الأشكال والمؤسسات الرسمية، التي لها ارتباطاتها وظروفها وسياساتها الخاصة بها.

وفي اعتقادنا أنه لا بد لمسيرة الأدب الإسلامي المعاصرة، من الخروج من دائرة

التحكم، وموقع الأدب الدفاعي، والتطلع إلى الآفاق المستقبلية، ومواجهة المشكلات المستجدة، والتحديات القائمة، والانطلاق إلى البعد العالمي، والمشاركة في قضايا ومشكلات الإنسان وحمل هموم الجماهير المسلمة، بشكل خاص، وهموم الإنسانية بشكل عام، والانحياز إلى جانب المستضعفين، وتحصين الناس دون مهادنة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي.

ذلك أن التمركز في مواقع الأدب الدفاعي، والاقتصار في الجهد الكبير على مواجهة الأدب المنحل وردّ شبهاته، قد ينتهي بنا إلى نتائج سلبية، تجعل من شُبَه أعداء الإسلام والمشكلات التي يثيرونها، القضية والمساحة التي يُحكم على الأدب الإسلامي بعدم تجاوزها، وفي الأمر ما فيه من تحكم أعداء الإسلام في الساحة الفكرية والأدبية الإسلامية، ومحاصرة الجهد والنشاط الفكري والأدبي عند المسلمين بشكل عام، وتحديد ساحته ومجاله ابتداءً. هذا من جانب ومن جانب آخر قد يؤدي الأمر بناـ دون قصد منا إلى تكبير الخصوم وعملقتهم وإذاعة شهرتهم وإعطائهم من الحجم أكثر مما يستحقون.

وقد يكون من المفيد الاعتراف في هذا المجال: أن الفكر الإسلامي ـ والأدب الإسلامي جزء منه ـ ما يزال على الأرض نفسها، التي تحرك عليها أديب الإسلام والعربية، مصطفى صادق الرافعي رحمه الله وما تزال القضايا التي أثارها طه حسين، وسلامة موسى، وغيرهم خلال النصف الأول من القرن العشرين ، هي المحور لمعظم الكتابات والدراسات، على الرغم مما استجد من قضايا ومشكلات حتى في مستوى الساحة الأدبية نفسها هذا إضافة إلى الغياب الكامل لأدب الطفل، الذي أصبحت له مؤسساته ودورياته ومتخصصوه على المستوى العالمي، بينما لا يزال عندنا يتعثر، ويفتقر إلى التجارب الجادة.

وأمر آخر:

فمنذ الكتابات التمهيدية الأولى، التي بدأها ونبه إليها فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي، حين اختير عضواً في المجتمع العلمي العربي بدمشق حيث دعا إلى إقامة أدب إسلامي، ثم جاءت كتابات الأستاذ سيد قطب رحمه الله في الدعوة إلى أدب إسلامي متميز، وتلاه الأستاذ محمد قطب في كتابه (منهج الفن الإسلامي ). ثم كتاب الدكتور نجيب الكيلاني في (الإسلامية والمذاهب الأدبية ) وجاءت بعد ذلك خطوة الدكتور عماد الدين خليل الرائد في هذا الطريق، في كتابه (النقد الإسلامي المعاصر ) والحديث لا ينقطع، عن أصول وطريقة الكتابة الفنية الإسلامية وهي ما تزال أطروحات عامة ـ إلى حدٍ بعيد ـ لم تنعكس بالقدر المطلوب في صورة نماذج مكتوبة، بأقلام إسلامية واعية، وعارمة بأصول الصنعة الفنية.

المشكلة في رأينا لم تعد مشكلة حوار وجدل، حول التنظير بالدرجة الأولى، ولكنها في الحقيقة مشكلة ممارسة وإنتاج وإبداع، وعبر التجارب يتبلور وجه الحق والصدق، فلا قيمة للجدل دون تقديم النماذج المعبرة عن نظرية الأدب الإسلامي، مدعومة بالنقد الذي يعرف كيف يرعى القابليات، ويكشف العثرات، ويمهد لأدب إسلامي حقيقي، ذي صفات مميزة.

ولا شك أن الطبيب الأديب الدكتور نجيب الكيلاني، لم ينطلق في كتابه هذا (مدخل إلى الأدب الإسلامي ) من فراغ. بعيداً عن المعاناة والتجربة، وتقديم النماذج الأدبية، حيث يعتبر كتابه (الإسلامية والمذاهب الأدبية ) من بواكير هذا الاتجاه، إلى جانب رواياته التي قدمها كأنموذج للأدب الإسلامي (ليالي تركستان، عمالقة الشمال، عذراء جاكرتا، عمر يظهر في القدس، رحلة إلى اله.. ) والتي قدمت للجيل المسلم زاداً، في وقت كان أحوج ما يكون إليه، واستطاعت أن تنقل هموم المسلمين ومعاناتهم، على أكثر من موقع في خارطة العالم، بأسلوب أدبي أخَّاذ، أمكنه المرور على الرغم من الحراسات والرقابات الرسمية المفروضة.

من هنا نستطيع أن نقول: بأن هذا الكتاب يأتي مساهمةً طيبة، في بناء التكامل المراد. لسلسلة (كتاب الأمة ) كما أنه يشكل لبنة أساسية،في بناء منهج الأدب الإسلامي المرتقب، واستكمال مفاهيمه وتحديد قسماته وبلورة مصطلحاته، ورسم بعض الآفاق والأبعاد، التي يمكن أن يرتادها الأدباء الإسلاميون، من حيث الأشكال الفنية، بشرط أن لا تخرج هذه الأشكال عن الالتزام بالقيم الإسلامية؛ الثابتة ؛ لأن الانفلات من القيم وعدم الالتزام بها يؤدي إلى الهيام في كل واد ويفتح سبل الغواية أمام الجماهير ويغري بها .

فالقرآن الكريم ـ الذي يعتبر منهل الأدب الخالد للأدباء الإسلاميين ـ استخدم القصة والحوار، والمثل، والمواقف الخطابية، ودعا إلى المباهلة، ووظف الحدث التاريخي، واعتمد الجدل الفكري، وأسلوب المواجهة، والتقرير المباشر، والوعظ المؤثر، في سبيل تحقيق أغراضه في هداية الإنسان، وتوجيهه صوب الخالق، فالأشكال متسعة متطورة، بشرط الحفاظ على القيم الثابتة.. والله نسأل أن يلهمنا رشدنا ويهدينا إلى القول الطيب والعمل المرفوع إنه نعم المسؤول .

المقدمـــة
إن التصور البشري للحضارة يرتبط بعديد من العناصر التي لا بد من تآلفها وتفاعلها لكي ينبثق عنها ذلك الشيء الروحي والمادي وأعني به الحضارة، ومن أهم عناصرها العقيدة والعلم والتشريع والسلوك الراقي والفنون والآداب، وقيم الخير والحق والجمال والحرية وغيرها، ولقد سادت حضارات في التاريخ على اختلاف مراحله، ثم بادت، ولقد كان عطاء هذه الحضارات متفاوتاً. وكانت إحداها تركز على عنصر من العناصر، أو جانب من الجوانب أكثر من غيره، بعضها بالجانب المادي أكثر من الجانب الروحي، وبعضها الآخر أعطى النواحي الروحية العناية الأكبر، بصرف النظر عما شاب هذا الجانب أو ذاك من تصورات خاطئة أو مبتورة أو مشوهة، ولعل تلك السلبيات هي التي شكلت بذور الفناء والتلاشي في الحضارة.

الحضارة إذن في صميمها ترمز إلى القوة الفعالة في صنع التكامل البشري والرخاء والسعادة والتقدم لبني الإنسان، ومن ثم كانت لهذه الحضارات الغلبة والمنعة، وتحقق النفوذ والسيطرة، مما جعلها مثلاً يحتذى.

ونحن في واقع الأمر ـ برغم اندثار هذه الحضارات القديمة ـ نجد لها صدى في الفكر المعاصر، وفي أصول المدنية الحديثة، سواء خفت هذا الصدى أو ارتفعت نبرته، فشد اليه الأسماع.

وتقف الحضارة الإسلامية فريدة في طابعها وتأثيرها ومنابعها، ونحن لا نبالغ أو نلقي القول على عواهنه، إذا قررنا أن الحضارة الإسلامية لا تموت، لأن خلودها مرتبط بالروح التي تسري في أنسجتها وخلاياها وشرايينها ألا وهي روح القرآن كلمة الله الخالدة، وإذا كانت الحضارة الإسلامية تخضع في بعض الفترات التاريخية لعوامل الضعف والوهن والكمون، فإن ذلك لا يعني فناءها أو انتهاء دورها الخالد، والحقيقة المؤكدة أنها (فاعلة ) دائماً، ومؤثرة في كل زمان ومكان، وحينما ذكر المفكر عباس العقاد رحمه الله أن في الإسلام قوة غالبة وقوة صامدة، فقد كان يعني بالقوة الصامدة تلك القوة السحرية التي تعمل عملها في زمن الضعف والوهن في الأمة الإسلامية، وضرب مثلاً لذلك الصمود استمرار انتشار الإسلام، وقيام أكبر دولتين إسلامستين في تلك الفترة وهما أندونيسيا وباكستان(1).

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الأدب كان عنصراً من عناصر هذه الحضارة الإسلامية المتوازنة الخالدة، التي تمتد أسبابها إلى السماء، وفق تصورات واضحة صحيحية، ولم يكن من باب المصادفة أن يكون فقهاء الإسلام وفلاسفته وعلماؤه وقواده من أكثر الناس اهمتاماً وممارسة لفن الأدب شعراً ونثراً، نرى ذلك واضحاً عند ابن سينا والشافعي وابن المقفع والجاحظ وغيرهم من أعلام الفكر المسلمين عرباً وعجماً، قديماً وحديثاً.

ولم يشغل الأقدمون أنفسهم كثيراً بفلسفة الأدب وتعريفه ومفهومه، ولقد حفل نخبة ضئيلة منهم بوضع بعض التعريفات الموجزة للأدب، وخاصة الشعر، ومن العجيب أن هذه النظرات ـ ولا أقول التعريفات ـ ضمت بصفة عامة ما جال وصال فيه النقاد ومؤرخو الأدب المحدثين، ولقد وجدنا فئة منهم تهتم بنفعية الأدب من اهتمامها بمؤثراته الأخرى، بينما نجد فئة ثانية تركز أساساً على النواحي الجمالية والتأثيرية، في حين أن فئة ثالثة جمعت بين المنفعة والجمالية، وهي المدرسة الوسط التي كانت لها الغلبة في الأدب العربي القديم، وسواء أسادت هذه الموجة أم تلك، فإن حركات التجديد لم تتوقف، ولقد تناولت حركات التجديد الأسلوب، فنجد كاتباً كالجاحظ يتخذ لنفسه منهجاً وسمتا معينا في كتاباته المميزة الفريدة، وفي موضوعاته المبتكرة، التي فتحت آفاقاً جديدة في تصوير النماذج والنفسيات الإنسانية، وأبرزت عدداً من الشخصيات النمطية الباقية أبد الدهر كالبخلاء وغيرهم ، كما تناولت حركات التجديد مطالع القصائد، والصور البلاغية التي أصبحت متنوعة بتنوع الشخصيات والبيئات والأمصار، وتناول التجديد أيضاً الموضوعات، خاصة بعد الصراعات السياسية والمذهبية والمدارس الفكرية التي امتدت أصولها إلى الفقه والأحكام ووجهة النظر السياسية، وبعد التأثيرات المتنوعة لقيم الإسلام ومبادئه، ظهر شعر الزهد والحب العذري، وفي فترات أخرى شعر اللهو والمجون المنحرف، الذي كان استجابة لتغيرات جذرية فاسدة تتعلق بالعواطف والعلاقات الإنسانية، وتناول التجديدات أيضاً شكل القصيدة بصفة عامة، فظهرت المقطوعات والتواشيح والرباعيات وغيرها مما نوع في القافية، واحتفظ بالوزن، كما دخلت إلى اللغة ألفاظ جديدة، وشتقاقات مبتكرة، رفضها بعضهم وقبلها بعضهم الآخر.

وعلى الرغم من حدوث اضطرابات في القيم والمفاهيم العامة إلاّ أن النغمة الإسلامية لم تخفت أبداً، كان هناك دائماً أدباء أوفياء يحرسون التوجه الإسلامي عبر الفنون والآداب، لا يقعدهم عن ذلك شطط عابث، أو غواية متحلل فاسد أخضع الكلمة للهوه وشهواته ومجونه، ولم يكن (فن المديح كله تأليهاً وتنزيهاً لأمراء وحكام وقادة، بل حفل هذا الفن بالكثير من التغني بقيم الحضارة الإسلامية ومجدها، وبعظمة الرجال الأبرار الذين استطاعوا أن يملأوا الأرض عدلاً ورفاهية وسعادة ).

والأدب الإسلامي في تصورنا عنصر من عناصر الحضارة الإسلامية لا شك فيه، ولسان من ألسنة الدعوة الإسلامية التي تحرص أول ما تحرص على القدوة والمثل، وتهتم بالفعل دون أن تهدر قيمة القول، وقد يختلف بعضهم ـ وهم معنا في هذا التصور، وردنا على ذلك بسيط غاية البساطة، ألا وهو أن المعجزة الكبرى في الإسلام هي القرآن.. الكلمة المنزلة من عند الله، في إطار من الصدق والجمال والإعجاز، كما أن الدعوة إلى الله بنص القرآن الكريم بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (125: النحل).

وقد تبدو عملية (التنظير ) للأدب الإسلامي ميسوة وسهلة لأول وهلة، وإنها لكذلك بالفعل إذا انصب التنظير على (مضمون ) الأدب أو منبعه الفكري، لكن الأمر سوف تكتنفه الصعوبة إذا ما نظرنا إلى الشكل أو الصور الجمالية لأي فن من فنون الأدب.

التنظير للأدب الإسلامي لا يثير كثير جدل في ناحية المضمون، لكن الأشكال الفنية التي لا تكاد تستقر على حال، والتي تختلف فيها الأذواق والأفهام والمناهج الفلسفية هي المشكلة، بل أكاد أقول هي العقبة التي تعترض طريق الباحثين عن نظرية سوية مقنعة للأدب الإسلامي.

ويجب ألا يتبادر إلى الأذهان أن ذلك أمر موقع في اليأس أو محبط للعزيمة، فالخلاف حول الصورة الفنية خلاف أبدي حتى بين أبناء المدرسة الأدبية أو الواحدة، فضلاً عن أنه من الصعب، بل يكاد يكون من المستحيل تحديد أبعاد صورة أدبية واحدة لفن من فنون الأدب، فالقصة يتناولها كل كاتب بأسلوبه وطريقته الخاصة، ولو كان الأسلوب أو الطريقة واحدة لا نهدم جانب أساسي من عملية الإبداع، المقلدون وحدهم هم الذين يدورون في إطار الصورة المحددة، وحتى هؤلاء قد يتجاوزون ـ قليلاً، أو كثيراً ـ الحدود المرسومة، أما خصوصية الكاتب المبدع وتميزه فتجعله ينجب عملاً فنياً مرتبطاً بفكره وذوقه وإمكاناته الخاصة، وقد نتصفح عدداً من دواوين الشعراء العموديين مثلاً، فنجدهم يكتبون وفق قواعد عامة متفق عليها، لكننا نجد شوقي غير حافظ غير البارودي غير محمد الأسمر غير الجوهري غير الزهاوي أو العقاد وهكذا، والشيء بالنسبة لمن يسمون بأعلام الشعر الحديث والشعر الحر، وإذا انتقلنا إلى المسرح أو القصة القصيرة تواجهنا الحقيقة نفسها التي لا يمكن الهروب منها. ماذا يعني ذلك كله ؟؟

إنه يعني أن قضية الشكل الفني أو الصورة الفنية مفتوحة..

وحينما أقول مفتوحة !!! لا أعني أنها فوضى .. يتخبط فيها كل من هب ودب.. فهناك أساسيات تتعلق بالقواعد.. قواعد اللغة .. وباستقامة التعبير.. وبالموسيقى في الشعر، وبالحديث في القصة والمسرحية، وبالجماليات الأدبية الأخرى من رموز وإيحاء وإشعاع، وبأمور تخصصية أخرى في شتى ألوان الأدب، وهذه بدورها ليست قواعد جامدة، ولكنها خاضعة للمواهب الإبدائية القادرة على الإضافة والتعديل والابتكار.

الشكل الفني مشكلة في مجال وضع النظرية، لكنها مشكلة ذات طبيعة خاصة، ويمكن فهمها في إطار التجربة الطويلة، والتنوع الواسع، وفي إطار المنطق والمقبول أو المعقول، وعلى الأدباء الإسلاميين ألا ينزعجوا من مناقشة هذه المشكلة أو يتهربوا منها، ولنقرر في صلب نظرية الأدب الإسلامي أن الشكل الفني ميراث وتراث، وأنه بطبيعته متغير ومتنوع، وأن مجال العمل فيه يلتصق بابداع المبدعين، أكثر من التصاقه بآراء المؤرخين والنقاد، وهو قضية قبول بين المبدع والملتقي بالدرجة الأولى، والنافذ مجرد وسيط وجهة نظر قد تصدق وقد يجانبها الصواب، ولا شك أن حرص الإسلاميين على المضمون الفكري واطمئنانهم له، سوف يجعلهم أكثر ثقة في ارتياد التجارب الإبداعية الجديدة في كل لون من ألوان الأدب شعراً ونثراً ينطلق الأديب الإسلامي في مجال الصور الفنية دون خوف أو عقد، ويدرك يقينا معنى الحرية الصحيحة في الإبداع، تحت الفكر السليم وقد يكون لبعضهم تحفظات على هذا المنطلق، وربما يبدون وجهات نظر بصدده.. لا بأس !! لكن القضية ليست قضية حوار وجدل بالدرجة الأولى، لكنها في حقيقتها ممارسة وإنتاج وإبداع. وعبر التجارب الشجاعة نستطيع أن نتبين وجه الصدق، ونضع أيدينا على كل ما هو إيجابي ونافع ومؤثر، فلا جدوى من أن نملأ الدنيا ضجيجاً وجدلاً صاخباً، دون أن نقدم النماذج الأدبية التي تعبر بصدق وجمال عن نظرية الأدب الإسلامي.

ويتضح لنا مما سبق أن للأدب الإسلامي جانباً خاصاً وآخر عاماً.

الجانب الخاص هو جانب فكري يرتبط بالإسلام عقيدة وفكراً وتصوراً وعاطفة، والجانب العام تمتمد جذوره إلى الإبداع العربي القديم وإلى التراث العالمي المشترك الذي ساهم فيه كل شعب بنصيب، وخاصة فيما يتعلق بالأشكال الفنية التي أصبحت في عصرنا ملكاً للجميع، ولا تحجزها نزوات التعصب العرقية أو الدينية أو السياسية أو المذهبية أو الجغرافية، ولقد ضرب أسلافنا الإسلاميون العظام أروع المثل حينما لم يحجموا عن قراءة تراث الحضارات القديمة، وسهروا على النظر فيه وترجمته ونقده والرد عليه سواء أكان إغريقياً أم هندياً أم فارسياً.. فنحن ـ قديماً وحديثاً ـ جزء من هذا العالم الكبير من حولنا، أعطيناه الكثير، وتبادلنا معه الخبرات والثقافات، وهذه سمة رائعة من سمات الحضارة الإسلامية الخالدة، التي تغذت بلبان الإسلام، وترجمت بصدق عن فكرة وروحه.

ويستطيع القارىء المدقق المنصف أن يعرف ـ ازاء ما سبق ـ لماذا سميت هذا الكتاب باسم (مدخل إلى الأدب الإسلامي )، حيث أبرزت الأسس الفكرية لهذا التوجه الإسلامي، وحاولت أن أتناول أهم القضايا والمشاكل التي كانت تطرح في الندوات العالمية التي عقدت بخصوص (الأدب الإسلامي ) والتي كانت تثور في أروقة بعض الجامعات، وعلى صفحات بعض المجلات المتخصصة والصحف، وفي الندوات النقدية المختلفة.

لقد شغلني موضوع الأدب الإسلامي في فترة مبكرة من العمر، ودفعني الحماس إلى كتابة عدد من المقالات في الصحف العربية تتصل بهذه الناحية، وكانت قراءاتي للشاعر الفيلسوف محمد اقبال بداية اهتمامي الأساسي، وكثيراً ما رددت من شعره حول هذا الموضوع، شبه فيها فنون المشرق بزيف (السامري ) ـ وهو من قوم موسى ـ حينما صنع لبني إسرائيل عجلاً من ذهب له خوار، كانت هذه الأبيات تقول:

يئست فلا أرجّي في أناس لهم فن كفن السامريِّ

سقاةٌ في ربوع الشرق طافوا على الندماء بالكأس الخليِّ

سحاب ما حوى برقا قديماً وليس لديه من برق فتيِّ(1)

وكان لأعجابي بإقبال وتقديري الأثر الكبير في وضع مؤلف عنه تحت عنوان (إقبال الشاعر الثائر ) (2)، ثم أصدرت كتاب (الإسلامية والمذاهب الأدبية ) من أكثر من ربع قرن، ولقد كانت هذه الدراسة المبدئية تعبيراً عما يلح في خاطري بخصوص قضية الأدب الإسلامي، لكني وجدت فيما بعد أن القضية أكبر من ذلك بكثير وأن المهمة الأولى لجيل الكتاب الإسلاميين اليوم هي المشاركة الإبداعية الإيجابية في تقديم نماذج من القصة والشعر والمسرحيات، لملء الفراغ الناجم عن غياب الحركة الأدبية الإسلامية الجادة، إيمانا مني بأن النماذج الناجحة هي الرد العلمي على حملات التشويه والتسكيك، وبدأنا..

وإذا كان الأدب الإسلامي قد اتسعت دائرة الاهتمام به في السنوات الأخيرة، فإن الجهد المبذول لم يزل دون الآمال الكبيرة التي تخفق في الصدور، ولا يفوتني في هذا المقام إلاّ أن أشير إلى الأعمال الرائدة في هذا المجال والتي قام بها إخوة فضلاء أوفياء أذكرمنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ أبو الحسن الندوي والإمام الشهيد حسن البنا،والسفير صلاح الدين السلجوقي، والأخوان الشهيد سيد قطب ومحمد قطب، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، والدكتور عماد الدين خليل والدكتور أحمد بسام ساعي وغيرهم من الشعراء وكتاب الرويات والقصة القصيرة والمسرحية والنقاد.

ولقد كانت النية متجهة إلى أن أفرد فصولاً لمختلف فنون الأدب لولا ضيق المقام، فضلاً عن أننا قد أصدرنا قبل ذلك مؤلفات عن (المسرح الإسلامي ) و(أدب الأطفال في ضوء الإسلام )، ونأمل إن شاء الله في المستقبل أن نفرد مؤلفا لأدب القصة لأهميتها..

والله أسأل أن يجنبنا الزلل، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وأن يسدد على طريق الحق والخير خطانا، وأن يغفر لنا ويرحمنا، إنه سميع مجيب الدعاء.

الدكتور نجيب الكيلاني
مفهوم الأدب الإســـلامي
الأدب بصفة عامة لون من ألوان الفنون، وهو أكثرها شيوعاً وتأثيراً وشعبية، لأنه يضم الشعر وأنواع النثر الفني كالقصة والمسرحية والمقالة والمخاطرة وترجمة الحياة وغيرها، وعلى الرغم من اختلاف التعارف التي وضعت للأدب في مختلف العصور، إلا أننا نستطيع أن نستخلص منها سمات أساسية للعمل الفني الأدبي، فهناك (الصورة الفنية ) المؤثرة التي تتشكل من عناصر عدة أولها اللغة المنتقاة، حيث تؤدي اللفظة الموحية المؤثرة وظيفة خاصة مميزة، هذه اللفظة لا تقوم بذلك وحدها، ولكن بارتباطها العضوي مع باقي الألفاظ في نسق معين، وبما تعكسه من فكرة، وتثيره من خيال، وبما تحركه من عاطفة، وتولده من اندماج، فالصورة الفنية تكاد تكون تجربة حية يحدث فيها نوع من التمازج بين الأديب والملتقى، ولوناً من ألوان الحوار الحار، والتفاعل الخصب، تلك التجربة الحياتية في إطار هذه الصيغة الفنية تبدو جديدة شيقة، وتكشف الكثير عما غمض في حياتنا العامة، وعلاقاتنا العديدة المتشابكة، وتضفي على وجودنا ثراء ومعرفة ومتعة، ومن الوهم أن نتصور أن هذا الأثر الجمالي هو كل شيء، إنه وثيق الصلة بنفوسنا وحركتها، وبعواطفنا وتوجيهاتها، وبأفكارنا ونموها، وبأرواحنا وسموها، وإذا كان إحساسنا بالمتعة والجمال في حد ذاته أثراً إيجابياً، إلا أنه يظل فرد النزعة، محصور الطاقة، محمود الفاعلية، إلا إذا حرك في داخلنا البحيرات الراكدة، وأشعل النيران الخامدة، فانطلقنا إلى مواقف جديدة، وبدأنا الرحيل إلى آفاق وعوالم أكثر حيوية ودفئاً وحاولنا أن نتفيأ ظلال واقع يمور بالحركة والتطلع، وتلك هي الإيجابية بمعناها الواسع الصحيح، فالمتعة المجردة الساكنة المنطوية، تحمل في ثناياها على نفسية تمضي بصاحبها إلى الانطواء والعزلة وأحلام اليقظة العليلة.

ولقد حاول الدارسون أن يجعلوا من الأدب مضموناً وشكلاً، وعلى الرغم من صعوبة الفصل بين الشكل والمضمون، إلا أن هذا التبسيط أو التصور يبدو ضرورياً في بعض الأحيان توارثناه عن الفلسفات القديمة التي تحاول التجزئة أو التشريح من أجل الوصول إلى إدراك أوضح للأمور المعقدة، والمسائل التجريدية، ألا يمكن أن يكون في الفكرة نفسها جمال من نوع ما، ثم ألا يوحي الشكل أو الصورة الأدبية المركبة بطريقة فريدة، ألا توحي بانطباعات وتصورات تساهم في اكتمال المعنى، وبلورة الفكرة، وتجسيد المفاهيم؟ ومع ذلك فإن هذا التقسيم للعمل الأدبي إلى شكل ومضمون يبدو ـ كما ألمحنا ـ ضرورة، وليس أدل على ذلك من أن جميع المدارس الأدبية، تحاول أن توضح جذورها الفكرية والفلسفية، أو تترجم تصوراتها عن الإنسان والكون والحياة إلى وقائع في القصة أو الرواية أو العمل المسرحي، بل وفي الشعر أيضاً، وتجعل من شخصيات العمل الدرامي بالذات نماذج معبرة ـ في حوارها وسلوكها وعلاقاتها ـ عن المضامين الفلسفية التي تؤمن بها أو تروج لها.

ولقد كان لتقسيم الأدب إلى عنصري الشكل والمضمون أثر سلبي لا يمكن تجاهله، فلقد احتفى بعض الأدباء احتفاءً زائداً بالفكرة على حساب الشكل الفني، فاختلت الموازين الفنية، وضعف التأثير، وقلت المتعة، وكان ذلك واضحاً أشد الوضوح (الآداب الموجهة ) ـ بفتح الجيم وتشديدها ـ فتحول الأدب إلى نشرات سياسية، تنطق باسم حزب من الأحزاب، أو شعارات طنانة تهتم وتهتف باسم زعيم من الزعماء، أو أبواقاً إعلامية تتغنى بمجد حكومة من الحكومات، وتوارت القيم الفنية، فتعطلت وظيفة الأدب الأساسية في السمو بالأرواح والأذواق، وفقدت الأفكار حيويتها وجاذبيتها، وتضعضعت القيم الإبداعية، وأصبح الأدباء في ذيل الموكب للحاق بركب المنفعة، ولم تعد لهم الريادة والقيادة، فلم يكن غريباً أن تتدهور آدابنا المعاصرة، وتتمرغ في أوحال الذلة والهوان.

وهناك فئة أخرى من الأدباء المعاصرين، حاولوا الإفلات من جحيم الحصار والقهر، فاحتموا بغابات الإبهام والغموض السوداء، وأغرقوا في الرمز والهروب حتى يحافظوا على نقائهم الفكري، وقيمهم الإبداعية، فتقوقعوا في عالم خاص بهم، وأداروا الحوار الخاص بينهم وبين أنفسهم، ففقدوا الصلة المقدسة التي تقيم العلاقات بينهم وبين الآخرين، ولم يعد لهم التأثير المأمول في حركة الحياة، وتحريك العواطف، واتخاذ المواقف، وقد عبر أحد الشعراء المحدثين عن هذه المأساة بقوله (1):

((شاعركم جبان

يخاف من ترجمة الإفصاح

لذا تراه يختفي خلف حلكة العبارة

ينسجها من أغرب الرموز

يملؤها بالليل والأشباح

وكل قطعة تلوح كالمغارة

مغلقة على عجائب الكنوز ))

إن الغموض والإبهام ساد الآداب المعاصرة أمر مخيف بالنسبة للحاضر والمستقبل، إنه ضرب من الشذوذ وقد أصبح قاعدة، بل فلسفة يٍروج لها النقاد في مختلف الأنحاء ويعتبرونها معيار الحداثة والإبداع، فإذا الحياة المعقدة في الغرب، والخواء الروحي، والتخمة المادية، والنمط الميكانيكي للحركة اليومية، والتفكك الأسري، وطغيان الفردية، والفوضى الفكرية والسلوكية تحت شعار الحرية، والأمراض النفسية الفتاكة، إذا كان هذا كله قد أفرز في الغرب آداباً وفنوناً معتلة، فما معنى أن نختط لحياتنا في الشرق تصوراً شبيهاً لما يجري في هذا الغرب ؟؟ أيمكن القول: إن السلطة القاهرة الجائرة قد خلقت جوًّا مناسباً شبيها لما يجري في الغرب؛ لقد أشرنا فيما سبق إلى فئة من الأدباء تحت ذلك المنحى، وتوفرت لديها مبررات كافية للإغراق في الغموض، لكن البناء النفسي للشعوب الإسلامية، وطبيعة تكوينها ومثلها العقائدية والاجتماعية يمكن أن تقيها شر هذا الفساد، ولا بد أن نجهز على الفكرة القائلة بأن الإبداع هو الغموض، والصور الفنية المبهمة التي تتدفق من تيار الوعي والأوعي، فمسؤولية الكلمة ـ إن كنا نؤمن بها ـ تقتضي الوضوح دون إهدار للقيم الفنية الجمالية..

ولنتوقف عند هذه النقطة الجوهرية، فالقرآن ـ قمة البيان ـ وصورة الأدب الخالدة واضح ميسر (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17) فالكلمة رمز يحمل رسالة ما، هذا في المجال العام، لكن هذه الرسالة ـ في المجال العلمي ـ محدودة، ولا تحتمل التأويل، ولا تحفل بقيم جمالية، لكنها في مجال الأدب تتوقد حيوية وإثارة، وتتسم بالجمال والمتعة، فالكلمة وسيلة، بل اللغة كلها وسيلة، وبالإضافة إلى ذلك فهي من وجهة النظر الإسلامية مسؤولية، يخضع مبدعها للحساب، كالفعل تماماً، وتتحدد المسؤولية بداهة فيما تحمله الكلمة من معنى، وما تخلفه من انطباع أو تأثير، فقد ربطت المسؤولية بين مبدع الكلمة ومتلقيها وبالتبعية الحركية (أو الديناميكية ) التي تشعلها الكلمة أو تغرسها في نفس وروح وفكر الآخرين، وقد يظن ظان أن المسؤولية هنا مع الغموض، فالرسالة المبهمة عبث، ولكن الواقع غير ذلك إذا أن (الصورة الفنية ) الغامضة قد تنقل إلى ذهن المتلقي وروحه اضطراباً أو تحركاً أعمى، أو انفعالاً طائشاً بلا فهم أو هدف، ولا يتولد عنها إلا التمرد العشوائي، أو الرفض الجنوني، هذا الانطباع المختل، أو الأثر المشتت يعد خروجاً على النسق البديع الذي تشربناه مع قيم الإسلام ومبادئه، وخلاصة الأمر أن المسؤولية تقتضي الوضوح، ولكنها لا تتعارض مع القيم الجمالية، وتقتضي الأثر الهادف البناء، كما لا تهدر المتعة،وإصرارنا على هذه النقطة بالذات مرتبط بأهمية اعتبار الأدب ضرورة حياتية تخص الناس جميعاً، وحق المنفعة والمتعة ميراث مشاع لمختلف المستويات، إن هناك معنى يريد أن يعبرعنه الأديب ولن تتوافر للتعبير عوامل النجاح ما لم يكن مفهوماً وقادراً على جلب المتعة والمنفعة، وهذا التصور من ناحية أخرى يرتبط بقيم الصدق والأمانة، فإذا كان بعضهم في جزء من هذا العالم أو آخر يعاني من التيه والتخبط والحيرة، فلا معنى لأن نعالج أساه بمزيد من الآداب المضطربة، المبهمة، التي تزيد من أساه، وتؤكد عذابه، وتنقل إليه مزيداً من الحيرة، وإلا كنا كما قال الشاعر(وداوني بالتي كانت هي الداءُ ).

لكن هل الغموض ضرورة عصرية، تترجم عن عصر أوغل في البذاءة والضلالة؟ ليكن.. إنها قد تقدم أعراضاً لمرض العصر، لكن أين موقف الأديب القادر على المساهمة في صنع حياة أفضل وأجمل ؟؟ وإذا كان الأديب يعبر عن الحياة خلال نفسه وفكرة، ويبدع لها صورة مؤثرة أخاذة ترتبط بذاته وخصوصياته، فتبدو متفردة جديدة، تضيف إلى عالم المتلقي كائنات وعلاقات وانفعالات مستحدثة جذابة، فلا بد أن يكون الهدف من وراء ذلك تفجير طاقات بناءة في داخل الإنسان، وإشعاره بالرضى والإمتاع، وإثراء وجوده بحيوات أخرى قد لا تتيسر له في واقع الحياة التي يعيشها، وهكذا لا يقعد به الخيال كسيراً كسيحاً، بل ينهض به إلى آفاق أسمى وأروع، وبذلك تتوقف الطاقات الإنسانية وتتحفز، وتلعب دورها الفعال في صنع حياة أفضل، ولا يتيسر ذلك إلا من خلال تصور صحيح للإنسان والكون والحياة، والعلاقات التي تنسق مسيرة المخلوقات، والقيم الأصلية التي ترسخ خطى السائرين في طريق الخير والنماء والحق والحرية والجمال الأدب الإسلامي أدب مسؤول، والمسؤولية الإسلامية التزام، نابع من قلب المؤمن وقناعاته، التزم تمتد أواصره إلى كتاب الله الذي جاء (بلسان عربي مبين ) ولا يصح أن ننخدع بالتزام الوجوديين وغيرهم (فسارتر ) يقرر أن حريته تبدأ عندما (يموت ) الإله ـ والعياذ بالله ـ لأن فلسفته تقوم أساساً على رفض الأديان والقيم والأعراف السابقة، أي أن التزامه يبدأ بعدم الالتزام بأي قيم سابقة، وبالطبع فقد أصبح كل وجودي ـ وليس سارتر وحده ـ صاحب قيم جديدة يصنعها لنفسه وبنفسه، وهكذا أصبح التفتت شعاراً، ووجد في عالم الوجوديين أنبياء زائفون بعددهم، واستهوت البدعة هذه الفارغين واليائسين، واستمالت المتحللين من القيم والأخلاق والمبادئ، ولم لا وقد فهموا أن معنى ذلك هو قمة الحرية.

إن ارتباط الأدب الإسلامي بالمسؤولية النابعة من صميم الإسلام، يقي أجيالنا المحاصرة، من السقوط في براثن تيه الفلسفات التي تعد بالمئات، إن الفلسفة الوجودية مثلاً لم تعد فلسفة واحدة بل عشرات، وحتى مدرسة التحليل النفسى انقسمت إلى مدارس عدة، والمادية الجدلية تفرعت وتنوعت، وخاصة في مجال التطبيق والممارسة، وما كان بالأمس يعد فتحاً جديداً. بل ديناً حديثاً، أصبح الاستمساك به كفراً بواحاً، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم (.. إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) ( النجم:28) وشتان بين الظن والحق.

وفي إطار هذا (الحق ) ـ لا الظن ـ يتحرك الأدب الإسلامي، وسلاحه الكلمة الطبية (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) (إبراهيم 24 ـ 25).

يقول أحد النقاد المعاصرين: (علاوة على الدور المدرك للفن، هناك مغزاه التعليمي، ولكن الفن يثقف المتفرج (أو المتلقي) بطرقه الخاصة، إنه يؤثر أول ما يؤثر على إحساسناً، ويستحوذ على انفعالنا، ويطوقها.. فالفن الأصيل يكون دوماً أخلاقياً، ما دام قد أملته قناعة الفنان الروحية الحية، ليخدم الخير، ويكافح الشر.. )

وحتى الشاعر نزار قباني يقول: (الأدب عبارة عن خنجر يغمده الشاعر في صدر الخرافات والعاهات، والانحرافات بكل أشكالها السياسية والاجتماعية .. ) (1) .

الأدب الإسلامي إذن ليس أدباً مجانباً للقيم الفنية الجمالية، فهو يحرص عليها الحرص، بل ينميها ويضيف إبداعاته إليها، والتراث الجمالي العالمي ملكية شائعة كالدين والفلسفة والعلوم، لا يحتكرها شعب دون آخر، ولا تستحوذ عليها أمة دون باقي الأمم، على الرغم من اختلاف اللغات الفنية، وخصوصيتها في التعبير والاستعارة والمجازات المختلفة، ويبقى دائماً في الفنون الأدبية عناصر تكاد تكون لازمة لهذا اللون أو ذاك، فللشعر مثلاً موسيقاه وإيقاعاته وأخيلته، وللقصة أحداثها وعقدتها وشخصياتها، ولها بدايتها ونهايتها، وللمسرحية أشرا طها الزمانية والحوارية وجاذبيتها الدرامية الخاصة، وهذه كلها كما قلنا ميراث مشترك.

والأدب الإسلامي يحرص أشد الحرص على مضمونه الفكري النابع من قيم الإسلام العريقة، ويجعل من ذلك المضمون ومن الشكل الفني نسيجاً واحداً معبراً أصدق تعبير، ويعول كثيراً على الأثر أو الانطباع الذي يترسب لدى الملتقى، ويتفاعل معه، ويساهم في تشكيل أهوائه ومواقفه وحركته الصامدة أو المتدفقة إلى الأمام.

والأدب الإسلامي يستوعب الحياة بكل ما فيها، ويتناول شتى قضاياها ومظاهرها ومشاكلها، وفق التصور الإسلامي الصحيح لهذه الحياة، ولا يزيف حقيقة، أو يخلق وهماً فاسداً، أو يحابي ضلالاً، أو يزين نفاقاً، ويطلق نيرانه على شياطين الانحراف والقهر والظلم، ومن ثم ينهض بعزائم المستعفين، وينصر قضايا المظلومين، ويخفف من بلايا وأحزان المعذبين، ويبشر بالخير والحب والحق والجمال.

والأدب الإسلامي يعبر بصدق وأمانة عن آمال الإنسان الخيرة، ويتناول نواحي الضعف والتردد والانحراف فيه بتسليط الأضواء عليها لفهمها والشفاء منها، لا لمجرد تبريرها، أو التماس الأعذار لها، تصور الأدب الإسلامي للإنسان نابع من وصف الخالق للمخلوق (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ( الملك 14)، وهو أمر يجب أن يحفل به الأديب المسلم، بعد أن قدمت الآداب الغربية ـ بل والشرقية أيضاً ، نماذج شوهاء للإنسان، وجعلت من التشوه بطولة وحرية، وصنعت من التمرد الفاسد تحقيقياً للذات، وإعلاء لشأن المخلوق.

والأدب الإسلامي ليس (عبثيًّا )، ولا يمكن أن يكون كذلك فليست الحياة ولا قصة الخلق، أو دور القدر، ولا حادث الميلاد أو الموت ليس ذلك كله عبثاً (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً، وأنكم 'لينا لا ترجعون ) (المؤمنون:115)، وهذا لا ينفي عن الحياة أنها (متاع الغرور )، أو أنها (.. لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموال والأولاد.. ) (الحديد: 20)، إنها امتحان وتجربة ودار أعمال، خلقت لهدف وغاية، ورسم لها الخالق سنناً وشرائع ونظاماً وقيماً، والمؤمن ـ دون ـ يستطيع أن يستوعب دوره الصحيح في هذه الحياة، وأن يمضي على النهج الذي اختطته يد العناية الإلهية فيسعد وينجو ويفوز.

والأدب الإسلامي ليس قواعد جامدة، أو صيغ معزولة عن الحياة والواقع، أو خطباً وعظمة تثقلها النصوص والأحكام، ولكنه صور جميلة نامية متطورة، تتزيَّى بما يزيدها جمالاً وجلالاً، ويجعلها أقوى تأثيراً وفاعلية، ولا يستنكف هذا الأدب أن يبتكر الجديد النافع الممتع، فالحياة في تجدد وتطور، وكذلك الإنسان وأساليب حياته العملية والعلمية والترفيهية، على أن يظل أدبنا في نطاق القيم الإسلامية الأصلية، ملتزماً بجوهرها وغايتها.

والأدب الإسلامي أدب الضمير الحي، والوجدان السليم، والتصور الصحيح، والخيال البناء، والعواطف المستقيمة، لا ينجرف إلى انحراف نفسي، أو اعتلال شعوري، أو مرض فلسفي تفشت جراثيمه في الماء والهواء والفنون والأفكار والسلوكيات.

والأدب الإسلامي أدب الوضوح لا يجنح إلى إبهام مضلل، أو سوداوية محيرة قاتلة، أو يأس مدمر، فالوضوح هو شاطئ الأمان الذي يأوي إليه الحائرون والتائهون في بيداء الحياة المحرقة المخيفة.

والأدب الإسلامي لا يمكن أن يصدر إلا عن ذات نعمت باليقين، وسعدت بالاقتناع، وتشعبت بمنهج الله، ونهلت من ينابيع العقيدة الصافية ومن ثم أفرزت أدباً صادقاً، وعبرت عن التزامها الذاتي الداخلي دونما قهر أو إرغام.

ذلك هو مفهومنا الشامل للأدب الإسلامي:

• تعبير فني جميل مؤثر

• نابع من ذات مؤمنة

• مترجمٌ عن الحياة والإنسان والكون

• وفق الأسس العقائدية للمسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مدخل إلى الأدب الإسلامي الجزء الاول
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي ورود البليدة :: الفئة الأولى :: من الادب العربي-
انتقل الى: